التقاليد والنزاعات والتحرر... أبرز قضايا المرأة السودانية

أكدت الناشطة السياسية رباح الصادق المهدي أن للمرأة السودانية لها دوراً حاسماً في إنهاء النزاعات وبناء مستقبل أكثر استقراراً، سواء داخل البلاد أو في دول اللجوء، داعية إلى دعم المبادرات النسائية التي تعمل على تعزيز جهود السلام.

حنان حارت

المغرب ـ لطالما لعبت المرأة السودانية دوراً أساسياً في الحراك السياسي والاجتماعي، بدءاً من مشاركتها في الثورات الشعبية إلى تصدرها لمشهد النضال من أجل الحقوق والحريات. ومع ذلك، لا تزال تواجه تحديات كبيرة تحول دون تحقيق المساواة الكاملة.

تحدثت رباح الصادق المهدي، الناشطة الحقوقية والسياسية والقيادية بحزب الأمة القومي السوداني، عن واقع المرأة في السودان، ومكتسباتها وتحدياتها، وتأثير العادات والتقاليد عليها، بالإضافة إلى دورها في بناء السلام بعد النزاعات.

 

الحقوق السياسية المبكرة للمرأة السودانية

حول حصول النساء السودانيات على حقوقهن السياسية مبكراً مقارنة ببعض الدول الأخرى، أكدت رباح المهدي أن ثورة أكتوبر 1964 شكلت محطة فارقة في مسيرة المرأة السودانية، حيث حصلن على حقوقهن السياسية، بما في ذلك الحق في الترشح والانتخاب، وهو ما لم يكن متاحاً في العديد من الدول آنذاك، كما ناضلت النساء من أجل تحقيق المساواة في الأجور، في معركة لا تزال مستمرة حتى اليوم.

وعن تأثير الإسلام على حركة تحرير النساء، أوضحت أن التفسيرات الدينية لعبت دوراً مزدوجاً؛ إذ كانت بعض التفسيرات التقليدية مقيدة، بينما ساهمت تفسيرات أخرى قائمة على العدل والمساواة في تمكين المرأة، مضيفةً أن الحركة النسائية السودانية سعت إلى إعادة قراءة النصوص الدينية بما ينسجم مع قيم حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.

 

الزواج المبكر وختان الإناث وتأثير النزاعات المسلحة على السودانيات

وحول القضايا المجتمعية مثل الزواج المبكر وختان الإناث، بينت أن السودان شهد تقدماً ملحوظاً في التوعية بمخاطر هذه الظواهر، مما أدى إلى انخفاض نسب انتشارها في بعض المناطق، خاصة في الشمال، إلا أنها شددت على أن الطريق لا يزال طويلاً، داعية إلى تكثيف الجهود لمكافحة هذه الممارسات الضارة.

وعن الأوضاع الراهنة في السودان، أكدت رباح المهدي أن النساء تتحملن العبء الأكبر من العنف والانتهاكات، خاصة في ظل النزاعات المسلحة، حيث تتعرضن للاعتداءات الجنسية، والاغتصاب، والانتهاكات الجسيمة "في السودان، يتداخل التنوع الثقافي مع الموروثات التاريخية، وبالتالي تواجه النساء تحديات لا تقتصر فقط على العنف أو التمييز القانوني، بل تمتد إلى العادات والتقاليد التي تفرض عليهن أدواراً اجتماعية صارمة، فبين متطلبات الزينة، والالتزامات الاجتماعية الثقيلة، تظل المرأة السودانية محاصرة في قوالب نمطية تحد من استقلاليتها، حتى في ظل الجهود المستمرة لمواجهة هذه التقاليد.

وقالت إن الأنظمة السياسية والاجتماعية، على مر العصور، لعبتا أدواراً مختلفة في تشكيل وضع المرأة السودانية، فعلى الرغم من أن الرق قد أُلغي رسمياً منذ عقود، إلا أن تأثيره ما زال حاضراً في التصورات المجتمعية حول دور المرأة، لافتةً إلى أنه في السابق، كان ينظر إلى المرأة المثالية على أنها محاطة بالخدم والمساعدين، وحتى مع انتهاء عهد العبودية، لا تزال بعض الفئات في المجتمع ترى أن رفاهية المرأة تقاس بمدى تفرغها للاهتمام بنفسها ومظهرها، بدلاً من مساهمتها الفعلية في الحياة العامة.

 

التقاليد والقيود الاجتماعية على النساء

وعن تأثير العادات والتقاليد الثقافية في السودان على دور المرأة في المجتمع، أوضحت رباح المهدي أن بعض العادات تعزز القيود المفروضة على النساء، مثل التوقعات الاجتماعية المتعلقة بالزينة والمناسبات، التي تستهلك الكثير من الوقت والمال، مما يؤثر على دور النساء الإنتاجي ومشاركتهن الفعالة في المجتمع.

وأوضحت أن الزينة جزء أساسي من هوية المرأة الاجتماعية في السودان، حيث تعد الحناء، والدخانة (حمام بخاري تقليدي)، والعطور التزامات اجتماعية خاصة خلال المناسبات والأفراح، مؤكدة أن هذه الطقوس قد تبدو تعبيراً عن الجمال، لكنها في الواقع تمثل عبئاً مالياً ونفسياً على النساء، حيث يجدن أنفسهن مضطرات للامتثال لها خشية التعرض للانتقاد أو النبذ المجتمعي.

وقالت رباح المهدي، إن هذه الممارسات ليست اختيارية بالكامل، بل تندرج ضمن توقعات المجتمع من المرأة، حيث ينظر إلى عدم الالتزام بها على أنه خروج عن المألوف "لدي صديقة تعمل مهندسة، وتوازن بين عملها ورعاية أطفالها، لكنها كانت تجد نفسها مضطرة للقيام بطقوس الزينة كل خميس حتى لا تنتقد، رغم ضيق وقتها وانشغالاتها".

وذكرت أنه إلى جانب متطلبات الزينة، تلعب المناسبات الاجتماعية دوراً آخر في تقييد النساء، ففي الماضي، كانت حفلات الزواج تستمر لمدة أربعين يوماً، واليوم، رغم تقليص المدة، لا تزال الأعراس والمناسبات تتطلب حضوراً مكثفاً من النساء، حيث يتوجب عليهن الالتزام بالمشاركة في المجاملات الاجتماعية المطولة، مما يزيد من الضغوط النفسية والاقتصادية عليهن.

 

إعادة تعريف دور المرأة السودانية

وتعتبر رباح المهدي أنه برغم هذه التحديات، هناك محاولات لمواجهة هذه التقاليد وإعادة تعريف دور المرأة في المجتمع السوداني "هناك منظمات تعمل على توعية النساء بمخاطر بعض العادات، مثل الختان والإنفاق المفرط على المجاملات الاجتماعية"، مشيرةً إلى أن التغيير الاجتماعي يحتاج إلى وقت وجهود متراكمة، لكن تسليط الضوء على هذه التحديات هو خطوة أساسية نحو تحرير المرأة السودانية من القيود غير المعلنة التي تكبل حريتها "بينما تستمر النساء في المطالبة بحقوقهن القانونية والسياسية يبقى التحدي الأكبر هو تحريرهن من قيود التقاليد التي تحدد لهن كيف تعشن، وكيف يقيمن في المجتمع".

وأكدت على أن التغيير لا يبدأ فقط من القوانين، بل من الثقافة المجتمعية التي يجب أن تعيد النظر في المفاهيم السائدة حول دور المرأة، لتصبح قيمتها قائمة على إمكانياتها وإنجازاتها، وليس على مدى التزامها بعادات اجتماعية قد عفى عليها الزمن.

دور النساء في تحقيق السلام وإعادة الإعمار

وفيما يتعلق بمستقبل السودان، وكيف يمكن للنساء السودانيات، خاصة في المناطق الأكثر تضرراً، أن تتحدن وتؤثرن في مسار السلام والإعمار بعد النزاع، شددت رباح المهدي على أن النساء سيلعبن دوراً محورياً في عملية الإعمار والسلام بعد النزاع.

وأوضحت أن تداعيات النزاع طالت جميع مناطق السودان، لكن بعض المناطق مثل دارفور، النيل الأزرق، وسنار كانت الأكثر تضرراً، حيث شهدت انتهاكات جسيمة، بما في ذلك العنف الجنسي، الإخفاء القسري، وقصف المدنيين، مشيرة إلى أن السودان يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم حالياً، مع أكثر من 12 مليون نازح ولاجئ، ما يستدعي استجابة عاجلة تتجاوز الحلول السياسية التقليدية.

وأكدت أن النساء، سواء داخل السودان أو في دول اللجوء مثل مصر وكينيا ويوغندا، تحملن مسؤولية كبيرة في هذا الظرف الحرج، لافتة إلى أنه رغم المحاولات الأولى لتشكيل جبهة مدنية لمناهضة النزاع، إلا أن هذه الجهود تعثرت بسبب التشظي والانقسامات السياسية، مما يضع النساء أمام تحدٍ كبير لتوحيد الصفوف والعمل من أجل السلام.

وفسرت بأنه تاريخياً، لعبت النساء السودانيات دوراً بارزاً في حماية الأرواح والدفاع عن المجتمع، وهو ما تجسده قصة "أم الجنة"، التي تعكس الفلسفة النسائية في تقديم الحياة على الصراع، مؤكدة أن النساء قادرات على تجاوز الخلافات السياسية والمجتمعية وتشكيل مسار نسوي للسلام، دون أن يكون هذا المسار بديلاً عن المسارات السياسية الأخرى، بل داعماً لها.

وترى أن النساء يمكن أن تلعبن دور الوسيط بين القوى السياسية والمجتمع المدني، خاصة في ظل الانقسامات التي تعيق الوصول إلى حل مشترك، مشددة على أهمية أن تحافظ النساء السودانيات على موقف محايد في النزاع، مما يجعلهن أكثر قدرة على التواصل مع جميع الأطراف دون انحياز، داعية إلى إطلاق حملة نسائية للسلام تتضمن عدة مسارات، من بينها التفاوض مع أطراف النزاع، الضغط على القوى الإقليمية والدولية الداعمة للحرب، والعمل على مبادرات دبلوماسية تدعم القضية السودانية.

واعتبرت رباح المهدي أن دور السودانيات لا يتوقف عند إنهاء النزاع، بل يمتد إلى جهود التعافي وإعادة البناء، مؤكدة أن النساء سيكون لهن دور رئيسي في معالجة آثار النزاع، سواء من خلال تقديم الدعم النفسي للناجين، أو المساهمة في إعادة بناء الاقتصاد المحلي عبر المشاريع النسوية، خاصة في ظل الدمار الذي لحق بالبنية التحتية والموارد.

وشددت على ضرورة إشراك الشباب الذين شاركوا في ثورة ديسمبر 2018، خاصة أنهم يعانون من الصدمات النفسية والجسدية جراء العنف، ولديهم خبرة في توثيق الانتهاكات، داعية إلى مكافحة خطاب الكراهية والعنصرية الذي تفشى أثناء النزاع، مؤكدة أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون معالجة هذه المشكلات العميقة.

وفي إطار الجهود الدولية لدعم مشاركة النساء في عمليات السلام، تؤكد الناشطة على أهمية تفعيل القرار الأممي 1325، الذي ينص على ضرورة إشراك النساء في مفاوضات السلام وإعادة الإعمار "السودان تبني خطة وطنية لتنفيذ هذا القرار، بما يضمن تمثيلاً حقيقياً للنساء في صناعة القرار، وليس مجرد تمثيل شكلي".

وعن كيفية تعزيز التعاون بين الحركات النسوية السودانية ونظيراتها في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا لتحقيق أهداف مشتركة، خاصة في ظل الظروف الراهنة، قالت إنه على المنظمات النسوية السودانية، مثل "منسم"، "نون"، و"جسر"، تنظيم حملات نسائية تدعو إلى إنهاء النزاع وتعزيز جهود السلام، مشيرة إلى أن النساء يجب أن تحافظن على موقف محايد في النزاع، مما يجعلهن أكثر قدرة على التواصل مع جميع الأطراف دون انحياز.

وفي ختام حديثها عبرت الناشطة رباح الصادق المهدي عن تفاؤلها بمستقبل الحركة النسائية في السودان، مؤكدة أن النساء السودانيات أثبتن قدرتهن على النضال والتغيير، وأن تمكين المرأة السودانية ليس مجرد قضية حقوقية، بل هو ركيزة أساسية لتحقيق الاستقرار والتنمية.